أحمد بن محمد القسطلاني

273

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

من لفحها . وفيه : ثم جيء بالجنة ، حين رأيتموني تقدّمت حتى قمت مقامي . . . الحديث . واللام في النار للعهد ، أي : رأيت نار جهنم . ( فلم أر منظرًا كاليوم قط ) منظرًا نصب ب‍ " أَرَ " وقط بتشديد الطاء وتخفيفها ، ظرف للماضي ، وقوله : ( أفظع ) أقبح وأشنع وأسوأ صفة للمنصوب ، وكاليوم قط اعتراض بين الصفة والموصوف ، وأدخل كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه . وجوّز الخطابي في : أفظع وجهين : أن يكون بمعنى فظيع ، كأكبر بمعنى كبير ، وأن يكون أفعل تفضيل على بابه على تقدير منه . فصفة أفعل التفضيل محذوفة . قال ابن السيد : العرب تقول : ما رأيت كاليوم رجلاً ، وما رأيت كاليوم منظرًا . والرجل والمنظر لا يصح أن يشبها باليوم . والنحاة تقول : معناه ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلاً : وما رأيت كمنظر رأيته اليوم منظرًا ، وتلخيصه : ما رأيت كرجل اليوم رجلاً ، وكمنظر اليوم منظرًا ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وجازت إضافة الرجل والمنظر إلى اليوم لتعلقهما به ، وملابستهما له ، باعتبار رؤيتهما فيه . وقال غيره : الكاف هنا اسم ، وتقديره : ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا . ومنظرًا تمييز . ومراده باليوم : الوقت الذي هو فيه ، ذكره الدماميني والبرماوي ؛ لكن تعقب الدماميني الأخير ، وهو قوله : وقال غيره . . . الخ ، بأن اعتباره في الحديث يلزم منه تقدم التمييز على عامله ، والصحيح منعه ، فالظاهر في إعرابه أن منظرًا : مفعول أر ، وكاليوم : ظرف مستقر ، صفة له وهو بتقدير مضاف محذوف ، كما تقدم أي : كمنظر اليوم ، وقط : ظرف لأر ، وأفظع : حال من اليوم على ذلك التقدير ، والمفضل عليه وجاره محذوفان ، أي كمنظر اليوم حال كونه أفظع من غيره . انتهى . وللحموي والمستملي : فلم أنظر كاليوم قط أفظع . ( ورأيت أكثر أهلها النساء ) استشكل مع حديث أبي هريرة : إن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا ، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة . وأجيب : بحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار ، وأنه خرج مخرج التغليظ والتخويف ، وعورض بإخباره عليه الصلاة والسلام بالرؤية الحاصلة . وفي حديث جابر : " وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي ، إن ائتمنّ أفشين ، وإن سئلن بخلن ، وإن سألن ألحفن ، وإن أعطين لم يشكرن . فدلّ على أن المرئي في النار منهن من اتصف بصفات ذميمة . ( قالوا : بم يا رسول الله ؟ ) أصله : بما ، بالألف ، وحذفت تخفيفًا ( بكفرهن قيل : يكفرن بالله ) وللأربعة : أيكفرن بالله ؟ بإثبات همزة الاستفهام ( قال ) عليه الصلاة والسلام ( يكفرن العشير ) الزوج أي : إحسانه لا ذاته ، وعدي الكفر بالله بالباء ولم يعد كفر العشير بها ، لأن كفر العشير لا يتضمن معنى الاعتراف . ثم فسر كفر العشير بقوله : ( ويكفرن الإحسان ) فالجملة مع الواو مبينة للجملة الأولى ، على طريق : أعجبني زيد وكرمه ، وكفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به ، أو جحده وإنكاره ، كما يدل عليه قوله : ( لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ) عمر الرجل ، أو الزمان جميعه ، لقصد المبالغة ، نصب على الظرفية ( ثم رأت منك شيئًا ) قليلاً لا يوافق غرضها في أي شيء كان ( قالت : ما رأيت منك خيرًا قط ) . وليس المراد من قوله : أحسنت ، خطاب رجل بعينه ، بل كل من يتأتى منه الرؤية ، فهو خطاب خاص لفظًا ، عام معنى . 10 - باب صَلاَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْكُسُوفِ ( باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف ) . 1053 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهما - أَنَّهَا قَالَتْ : " أَتَيْتُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ - فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي . فَقُلْتُ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ . فَقُلْتُ : آيَةٌ ؟ فَأَشَارَتْ أَىْ نَعَمْ . قَالَتْ : فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ شَىْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا ، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبًا مِنْ - فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ( لاَ أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ) ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ الْمُوقِنُ - ( لاَ أَدْرِي أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ ) فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا . فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحًا ، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا . وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوِ الْمُرْتَابُ - ( لاَ أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ) فَيَقُولُ : لاَ أَدْرِي ، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ " . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن هشام بن عروة ) بن الزبير بن العوّام ( عن امرأته ، فاطمة بنت المنذر ) بن الزبير بن العوام ( عن أسماء بنت أبي بكر ) الصديق ، جدة فاطمة وهشام لأبويهما ( رضي الله عنهما أنها قالت ) : ( أتيت عائشة ) بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهما ( زوج النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حين خسفت الشمس ) بالخاء المفتوحة ( فإذا الناس قيام يصلون ، وإذا ) بالواو ، ولأبي ذر في نسخة : فإذا ( هي قائمة تصلي ، فقلت : ما للناس ) قائمين فزعين ؟ ( فأشارت ) عائشة ( بيدها إلى السماء ) تعني : انكسفت الشمس ( وقالت : سبحان الله . فقلت : آية ؟ ) أي علامة لعذاب الناس ( فأشارت أي : نعم )